البارت ٤ - نوفيلا غيابة الجب - بقلم نورسين محمد

عازف الكلمات
By -
0


بقلم نورسين محمد


البارت الرابع

أسرعت أنا ووالدي نطوي الأرض طيًا بخطواتنا، وتركت أولادي مع "سهيلة". وبعد أقل من عشرين دقيقة وصلنا للمشفى، واقتربت منهم وأنا ألهث وأتلقف الأنفاس، ولكني شاهدت "لمياء" وأسرتها يجلسون بجوار والدة "ياسين" التي أغرقتها دمعاتها. فتوجهت لعمي "محمود" أسأله عن ياسين، فأجابني: "إنه بداخل هذه الغرفة ولكن ممنوع من الزيارة حتى يستفيق، ادعي له يا ابنتي."

استجمعت قوتي واستندت على يد والدي، وجلست أمسح دمعاتي وأدعو الله أن يستفيق "ياسين" ويعود للحياة من جديد. ثلاث ليالٍ بأكملهن مررن وكأنهن ثلاث سنوات، وأخيرًا بادرة الأمل دبت حين خرجت الممرضة المتابعة لحالة "ياسين" وأخبرتني أنه بدأ يحرك إصبعه، وقد أبلغت الطبيب للحضور فورًا حتى يطمئن على حالته. فطلبت منها أن أدخل لأطمئن عليه ولكنها منعتني ووعدتني أنها ستطلب من الطبيب ذلك.

وبعد أقل من خمس دقائق حضر الطبيب ودلف مسرعًا يطمئن على "ياسين"، وبعد إجراء الكشف عليه خرج ليطمئنني قائلاً: "الحمد لله، لقد بدأ المريض أن يستعيد وعيه وبدأ في تحريك أصابع يده، وهذا مؤشر جيد جداً للحالة." فطلبت منه أن أدخل لأطمئن عليه بنفسي فسمح لي بخمس دقائق فقط، فوعدت بذلك وأسرعت للتعقيم ودلفت مسرعة أتوجه لفراش "ياسين" الذي أَمْسَكْتُ يده، ولكن لأول مرة أشاعر برودتها بعدما كنت دومًا أستشعر الدفء والحنان من خلال لمسته هذه. اطمأننت عليه وخرجت في هدوء.

وعند باب الغرفة اصطدمت بعمي "محمود" والذي سألني متلهفًا: "كيف حال ياسين يا ابنتي؟ لقد أخبروني أنه بدأ يستفيق."

  • قلت: "إنه بخير، لقد أخبرني الطبيب أن حالته ستستقر بإذن الله وسيكون بخير."

وفي تلك اللحظة رأيت "لمياء" تقترب من بعيد والقلق يظهر على وجهها، ووجهت سؤالها: "كيف أصبح ياسين اليوم؟ هل هناك تحسن في حالته؟"

أخبرتها أنه بدأ يستجيب للعلاج وسيكون بخير، ولكن شاهدت دموعها تسقط من الخوف عليه، فأكدت دموعها أنها مازالت تتعلق بياسين أو بالأحرى مازالت تحبه، وأنها مازالت تحتفظ بكل ذكرياتها معه، ولذلك شاهدها أسامة بسهولة ويسر.

حين رأيت دموعها اشتعلت الغيرة داخلي، وما شعرت بنفسي غير أني أصرخ في وجهها قائلةً: "اغربي عن وجهي واتركيني لحالنا، ماذا تريدين بعد كل ما حدث؟!" منعني عمي "محمود" عنها حتى لا تمتد يدي إليها بسوء، واصطحبتها والدتها وخرجوا معًا من المشفى. وبعدما هدأت قليلًا، علمت من عمي أن البحث مازال مستمرًا عن "أسامة".

مرَّ يومان وأنا ما بين المشفى ومتابعة حالة "ياسين" وبين أولادي ومتابعة أحوالهم، إلى أن استفاق "ياسين" كليًا، ولكن رفض الطبيب السماح له بالخروج والعودة للبيت حيث لم تستقر حالته استقرارًا كاملًا، ففضل أن يبقى فترة أطول تحت الملاحظة. وفي تلك الأثناء حضر الضابط للمشفى ليأخذ أقوال "ياسين"، وقد أخبرنا أنه تم القبض على "أسامة" أثناء محاولة هروبه إلى السودان، وتم حجزه وأخذ أقواله.

تابع الطبيب المختص حالة "ياسين"، وبعد انتهاء الأسبوع كانت قد تحسنت حالته ولله الحمد ولم تؤثر على الحركة بشكل كبير، وأكد أن يتم عرضه على طبيب العلاج الطبيعي لمتابعة الحالة حتى تتحسن طريقة الحركة ويعود لحالته الطبيعية. ونتيجة لما قرره الطبيب، عودت لبيتي بصحبة "ياسين".

أما عن "سهيلة" فكان من المقرر زفافها في نفس التوقيت، ولكن نتيجة لما حدث تم تأجيل الموعد لمدة خمسة عشر يومًا آخرين حتى تكون حالة "ياسين" قد تحسنت بصورة أكبر. وبعيدًا عما حدث، فاضطررت للتظاهر بالفرحة حتى لا تشعر والدتي أني ما زلت على نفس الرأي ورفضي لتلك الزيجة التي تنبأ بالفشل قبل أن تتم.

بمرور الأيام وممارسة "ياسين" بعض التمرينات الرياضية بمساعدة الطبيب المختص وبالاستمرار في عمل جلسات العلاج الطبيعي، تحسنت حالته وانتقلت "لمياء" إلى بيت أسرتها، وتم التحقيق مع "أسامة" والحكم عليه وزُج به في السجون كمدة أولية. ولكن انتابتني حالة من الدهشة والحيرة حين سمعت أن أهل "لمياء" يتوسطون ويتوسلون لعمي "محمود" كي يضغط على "ياسين" ليتنازال حتى يتم تخفيف الحكم عن أسامة. وكنت دائمًا أحاول فتح الموضوع مع "ياسين" في محاولة لمعرفة قراره النهائي في الموضوع، ولكنه طمأنني أنه لن يتنازل عن القضية وسوف يستمر فيها حتى يتأدب ذلك الغبي وينال عقاب فعلته الشنعاء.

مرت الأيام وجاء موعد المحاكمة والكل في انتظار الحكم النهائي، وقد استغرقت الجلسة ما يقرب من ساعة، وفي النهاية حكمت المحكمة حضورياً عليه بالسجن لمدة خمسة عشر عامًا مع الشغل والنفاذ؛ وذلك للشروع عمدًا ومع سبق الإصرار والترصد في قتل "ياسين". بدأت أتنفّس الصُّعداء وبدأت الأمور تستقر، وبدأنا التجهيز لحفل زفاف "سهيلة" وانشغل الجميع معها، حتى أن "ياسين" تحسنت حالته وانشغل معنا في ترتيبات الزفاف. ولكن رغم كل الانشغالات، إلا أن موضوع "لمياء" لم ينتهِ بصورة نهائية، وأصبح يتكرر فتحه كلما زارنا الجيران والأقارب في محاولة لاستعطافنا. ولا أراقب على وجه "ياسين" سوى نظرة شفقة على حبيبته السابقة، وأعتقد أنه يشرد فيها ويتذكرها كلما خلا بنفسه حتى لو لدقائق. كنت أباغته بالدخول لغرفتنا حتى أعلم ماذا يفعل، ولكن كنت أجد أنه يشغل سيجارته ويتأمل دخانها ويشرد، حتى أنه في بعض الأوقات لا يسمعني وأنا أتحدث.

كاد عقلي أن يُجن ويتوقف عن التفكير، ودائماً تهاجمني التساؤلات وتنقض على رأسي كثور هائج: هل مازال يفكر فيها؟ هل ستنفصل عن أسامة وتحاول أن تسرق مني ياسين مرة أخرى بعد أن تم حبسه ورفعت ضده قضية تطلب تطليقها منه على يد المحكمة؟ وغيرها الكثير والكثير، ودائمًا دون جدوى لا أحد عنده جواب.

فكرت مرارًا وتكرارًا ماذا أفعل، وفي النهاية شكوت لوالدي ووالدتي عن تصرفاته الغريبة والغير مفهومة، ولكنهم لم ينساقوا معي في نفس التفكير، وكان والدي يحاول إبعاد ذهني عنه ودائمًا كان يقول لي: "يا ابنتي، ما مرَّ به ياسين ليس هينًا، لقد كان في عداد الأموات، لابد أن تلتمسي له العذر."

كاد التفكير المستمر أن يفتك بعقلي، فعرضت على ياسين أن ننتقل من البيت ونعيش في مكان آخر بعيد عن المشاكل أو أنه يطلب نقله لمحافظة أخرى. وقتها أجابني بحنق بالغ ورفض رفضًا قاطعًا، واتهمني بالجنون وأني أفكر في شيء من المستحيل أن يحدث، وأنه يحبني ويحب أولاده ولا يفكر في غيرنا.

ولكن يراودني دائمًا شعور داخلي أنه مازال يحن إليها وإلى ذكرياته القديمة معها كلما خلا بنفسه. عاودت الشكوى لوالدتي، ولكنها القاسية دومًا، واتهمتني أني أنا من يفتعل المشاكل وأني أنا التي تبحث عن هدم بيتي وتشتيت أولادي بيني وبين ياسين. فكنت أحمل همي وأعود لبيتي لانتظر ماذا يُخفي لي القدر.

وبمرور الأيام تم حكم الطلاق وانفصلت "لمياء" عن أسامة، وبدأ الجميع يعود للحديث عنها وعن أحوالها من جديد. وما كان من زوجي العطوف إلا وأن بدأ هو الآخر يتحدث عنها أمامي ويعرض عليَّ أن يزورها ويسأل عنها لعلها تحتاج لشيء، وأنه مازال يتألم كلما تذكرها أمامه في تلك الليلة المشؤومة! وهنا تأكدت أنه يحن للماضي، فصرخت في وجهه قائلةً: "اعلم جيدًا أنك لن تجمع بيني وبينها وأنا على قيد الحياة، وما تفكر فيه من المستحيلات! وإذا فكرت في ذلك سأجعلك تندم ما تبقى من حياتك على تركك لي ولأولادي واللهث وراء ماضيك مع تلك لمياء حبيبة القلب!"

وقتها لم يكن في ذهني أي شيء ولم أُدبّر لأي خطط، ولكن استشعرت الخوف على نفسي وأولادي وبيتي الذي سيُهدم أمامي، فكان لابد أن أظهر في موقف قوة وليس ضعف، فتحدثت بقوة وثبات وعزمت أن أحفظ دموعي داخلي ولا أسقطها أمامه.

وخرجت من غرفتي آمرة لأولادي أن يبدلوا ملابسهم وعاودت أجهز حقيبتي، وياسين يجلس أمامي لا أعرف أهو في صدمة من تصرفي أم في صدمة من أني قرأت أفكاره بسرعة! ولكنه التزم الصمت وأظنه لم يستفق إلا حين سمع صوت الباب يصفق وكأن الصفعة على وجهه. وتوجهت سريعًا لبيت والدي وحكيت لهم عما صار بيني وبين ياسين. وكعادتها والدتي بدأت تلقي عليَّ بالاتهامات أني أنا من أخطأت التفكير وأنا التي تبحث عن هدم المنزل، وأنا من نبهته بتصرفاتي المجنونة عن زواجه بلمياء، وأخذت تبحث لي عن خطأ حتى تلقي على عاتقي المصيبة الأكبر وهي الأولاد ومسؤولياتهم.

ولكن قد فاض الكيل في هذه اللحظة، ولم أشاعر بنفسي إلا وأنا أصرخ في وجهها معلنة عن غضبي، ولكنها كانت تلاحقني وتقاطعني قائلةً: "ليس عندنا طلاق، ستعودين لبيت زوجك! زواجنا أبدي لا نسمح فيه بالطلاق، عيشي مع زوجك وأغلقي عليكِ بابك ليس عندنا طلاق!" وللأسف والدي أيضًا كان يوافقها الرأي.


Tags:

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)