بقلم نورسين محمد
المقدمه
جدران تخفي خلفها آهات تختفي وسط صخب النهار .. أنين ودموع تُخبئ بداخلنا لا تجففها سوي الوسادات الموضوعه علي الاسِره .. بيوت متلاصقه تبدو هادئه ويبدو عليها الهدوء والاستقرار من الخارج فقط ولكن نيرانها تشتعل بداخلها لا يشعر بها سوي من ينكوي بها كل نهار جديد انه دائماً هدوء من نوعٍ خاص .. انه الهدوء الذي يسبق العاصفه
اشعر بالوحده في هذه اللحظات !!..
تحيط بي أوراقي .. وأقلامي !!..
والإحباط يعصف بي من كل جانب وكأنني اغرق في بحر الظلمات اواجه الامواج العاتيه بمفردي !!..
أكوام من الكآبة والاحزان اثقلت على صدري بقسوة !!..
والحزن يسكن في ممرات روحي !!..
والليل يرسم لشحوبته ألف وطن تبدأ حدودها من عيناي !!..
صغيراً تجرعت مرارة الحرمان .. والامان وكأنما تكوّنت روحي وشُكّلت لتنسجم مع بيئتيهما .. وقسوتيهما !!..
لم أتذوق طعم الطفولة التي عاشها أقراني !!..
فـالظروف جعلتني أحرق المراحل التي تفصل بين الطفل والرجل
وأرمي طفولتي جانباً وأتقمص صورة الرجل في سن مبكرة ..
لتطبع السنين الطويله بصمتها على ملامح وجهي !!.
الحياة تهمس الي مسامعي يوماً بوقتها !!..
وأوصتني ألا أعتمد ولا اتكئ على الآخرين !!..
وأن لا أعقد خطى آمالي على سبل السراب !!..
تغلغل الفقر في كل شئ يحيط بي !!..
ولم أعمد لتوظيف جوهرتيّ الروح ألا
وهما الدين .. والحب !!..
الفصل الاول
استيقظت كريمة من نومها تنادي : يا محمد ، يا ملك ، يا ملوك ، اصحوا عشان متتأخروش علي المدرسه
ثم اتجهت لغرفتها مره اخري واقتربت منه ونادت بصوت هادئ ، اصحي يا سعيد واذا به ينتفض وعينيه الحمراوتان تطق شرراً
سعيد : في اييه ع الصبح .. بتصحيني ليه ؟؟
تنتفض كريمه خوفاً من عينيه وتتحرك للخلف ، ينتفض صوتها ، انت مش عندك شغل ف الورشه ؟؟
سعيد : لأ معنديش زفت ، سبيني وروحي لعيالك ، اييه القرف ده ع الصبح
كريمه : تتمتم حتي لا يسمعها ، يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم ع الصبح ، اصطبحنا واصطبح الملك لله
سعيد : بتقولي اييه ؟؟
كريمه : مبقولش حاجه انت صاحي عاوز تتخانق وخلاص كل ده عشان ب أصحيك
سعيد : انا كده بقى واللي مش عاجبه عيشتي الباب يفوت ستين جمل
كريمه تدمع عينيها : خلاص .. خلاص .. خليك نايم حقك عليَّ
وتركته وتوجهت لمحمد و ملك و ملوك التوأمتان
ياله يا ولاد انزلوا بدل ما يقوم ينكد عليكم ويضربكم قبل ما تنزلوا المدرسه
محمد الذي لا يتعدي عمره الرابعه عشر عاماً يشعر بحزن امه و لكنه لا يمتلك سوي أن يُربت علي كتفها ودائماً ينطق .. متزعليش يا ماما
كريمه تبكي : انا مش زعلانه يا محمد ، انا اتعودت علي كده يا ابني مش حاجه جديده
محمد : طيب معلش متعيطيش ، ثم توجه لأخواته ، ياله يا بنات علشان منتأخرش علي المدرسه
ملك وملوك : احنا خلصنا خلاص ، سلام يا ماما
بعد نصف ساعه يستيقظ سعيد من نومه : فين الفطار ؟؟
كريمه : هجهزهولك علي ما تغسل وشك
سعيد : ومجهزتهوش من بدري ليه ؟؟
فضلت الأ ترد عليه حتي لا تزداد المشكله اشتعالاً وتركته وتوجهت للمطهي ، سريعاً جهزت الافطار للمره الثانيه ووضعته علي المائده ونادت : الفطار جاهز يا سعيد
ثم توجهت مره اخري للمطهي حتي تُجهز له الشاي الذي اعتاد ان يتناوله ساخنـًا
تناول سعيد طعامه وبدّل ملابسه واقترب من الباب ليخرج
كريمه : عاوزه مصروف النهارده عشان اشتري الاكل
سعيد : هو كل يوم مصروف ، انتي مش بتحوشي حاجه ليه من المصروف اللي بديهولك
كريمه : هي العشرين جنيه اللي بتديهالي بتكفي حاجه علشان احوش منها ، انا بشتري اكل اليوم بالعافيه حتي العيال بينزلوا من غير مصروف للمدرسه
سعيد : احمدي ربنا علي اللي انتي عايشه فيه وكلوا اي حاجه وعيالك مش هيموتوا لو مأخدوش مصروف المدرسه ، اتفضلي العشرين جنيه أهي للنهارده وبكره ، انا مسافر وهبات ف الشغل
يتركها بعيونها الدامعه ولسانها الذي عجز ان يطلب الكثير وخرج متوجهاً للبيت الثاني الذي لا تعلم كريمه عن وجوده اي شئ .. يصل ويفتح الباب وهو محمل بالاكياس واذا بسوميه متزينه وفي كامل زينتها
** فلاش باك **
من خمس سنين فاتوا .. كانت سوميه تمر من امام ورشة سعيد التي توجد في نفس الشارع الذي يجاوره به محمود اخوها صاحب السوبر ماركت والذي لا يفرق بينه وبين ورشه سعيد سوي عدة محلات صغيره وكانت في كل مره تمر فيها من امام الورشه يلمحها سعيد ويلاحقها بنظراته .. يوم بعد يوم تقرب سعيد لمحمود حتي صاروا اصدقاء
وفي صباح يوم من الايام كان سعيد يقف امام ورشته مرَّت سوميه من امامه فنظر إليها فإبتسمت له وتكرر ذلك عدة مرات إلي ان قرر في يوم ان يتحدث إليها ..
انتظرها علي اول الطريق وطلب منها ان يتقدم لخطبتها واخبرها انه متزوج من اخري ولديه ولد وبنتان ورغم علمها بذلك الإ انها وافقت وطلبت منه ان يتحدث لأخوها ويطلبها للزواج منه وبالفعل تحدث إليه ووافق بعد ان كان شرطه الوحيد ان يشتري شقه تمليك حتي لو كانت صغيره الحجم لتكون بيت الزوجيه لأخته أماناً لها لانه متزوج من غيرها ولديه منها أطفال .. وافق سعيد واشتري الشقه الجديده وتزوج من سوميه
نرجع لأحداثنا
اقتربت منه سوميه بدلال .. اتأخرت ليه يا ابو البنات ؟؟
سعيد : معلش يا قلب ابو البنات كنت بشتريلك احلي فطار يستاهل القمر ده
سوميه : اوعي تكون نسيت الشكولاته والبسكوت واللبن للبنات
سعيد يضع الاكياس جانباً ويقترب ليحتضنها ، اشتريت كل حاجه هو انا اقدر انسي البنات ولا ام البنات ثم يقبلها
كل حاجه هتلاقيها عندك واللحمه كمان بس بقولك اييه تعالي نرتاح شويه الاول قبل الفطار
سوميه بنعومه ودلال : البنات يصحو يا راجل
سعيد : طيب ومالو ما يصحو هو احنا بنعمل اييه يعني ، تعالي بس ويجذبها من يدها لغرفتة النوم
ده انا عاملك مفاجأه حلوه
سوميه : اييه بقى المفاجأه ؟؟ قول الاول
سعيد : هبات معاكوا النهارده
سوميه : امم وست الحسن والجمال سابتك تبات برا البيت عادي
سعيد : ليه بقى السيره النكد دي علي الصبح ؟؟
تلتوي امامه بدلع ، لا ولا نكد ولا حاجه ، انا بس بسأل
سعيد : طيب حضري الفطار وصحي البنات علشان يفطروا ونأجل كلامنا لبليل احسن
سوميه وهي تلتوي امامه في مشيتها : حاضر يا ابو البنات
ثم تنادي ، يا رنااا ، يا رشاا .. قوموا يا بنات ابوكوا جيه
تقفذ رانا ذات الخمس اعوام وتلحق بها رشا ذات الثلاث اعوام وبخطوات مسرعه يتوجهوا ليحتضنوا سعيد
سعيد : اهلاً ، صباح الخير ، وحشتوني
رشا : بابا ثوكلاته .. (شيكولاته )
سعيد : هههههههه ثوكلاته وبثكوت وكل حاجه لروشه الجميله ( شيكولاته وبسكوت )
في بيت كريمه
حمدلله علي السلامه .. أتأخرتوا ليه يا ولاد كده ؟؟ قلقتوني عليكم
محمد : بناتك ماشيين بالراحه ، الطريق طويل والشنط تقيله .. واحنا مش هنركب عشان مفيش فلوس
كريمه تُربت علي كتف محمد : معلش يا حبيبي الحمد لله انكم رجعتوا بالسلامه
ملك ذات الثمانيه اعوام : انا جعانه اووي يا ماما ،
عملتي الاكل ؟؟
كريمه : عملت كُشري اييه رأيكم ؟؟
ملوك : حلو اوي يا ماما كل حاجه بتعمليها من ايدك حلوه
كريمه بعيون دامعه وصوت هادئ وحنون : والله انتوا اللي مهونين عليَّ العيشه دي ، ياله روحوا غيروا واغسلوا ايديكوا وتعالوا علشان نتغدي
تنتهي الليله في بيت يخلو من امان الاب ، ليله بارده لا يحتضن فيها اولاده ، غارق مع زوجته الثانيه التي تتدلل دائماً وترتدي كل ما يلفت انتباهه حتي لا يفكر في غيرها
في الصباح يستفيق سعيد من نومه ليتوجه لمتابعة عمله في ورشته الخاصه بالحداده
سوميه تقترب منه بدلال و تغني
يا صباح الخير ياللي معانا ، ياللي معانا ، الكروان غني وصحانا ، هييييح وصحانا ، ما تقوم يا راجل عشان نفطر ، انا جهزتلك الفطار من بدري وعملتلك الفول بالبيض اللي بتحبه والشاي باللبن والبقسماط .. قوم بقى
سعيد يجذبها من يديها نحوه : طيب ما تيجي نفطر هناا
سوميه : يا راجل قوم بقى كفايه دلع ، بقول اييه هو انت هتيجي امتي تاني ؟؟
سعيد : كالعاده بكره الصبح هكون عندك ، هو انا اقدر أتأخر علي القمر ، انتِ عاوزه حاجه ؟؟
سوميه : عاوزه فلوس انزل اشتري هدوم للبنات
سعيد : حاضر ، هنزل اسلم الشغل بتاع النهارده وبكره انزلي هاتي اللي انتي عوزاه ، هاه الجميل مبسوط؟؟
سوميه : مبسوطه يا حبيبي ، متحرمنش منك ياارب
في المساء في بيت كريمه .. يدخل سعيد ويغلق الباب دون ان يلقي السلام
كريمه : حمدلله علي سلامتك .. اجهزلك العشاء ؟؟
سعيد : عندك اييه ؟؟
كريمه : عندي جبنه وبطاطس محمره
سعيد : حتي اكلك يسد النفس زيك
كريمه : معلش اللي موجود ، احنا اتغدينا كده النهارده
سعيد : طيب ياله عشان آكل واستحماا و اتخمد
مرَّ يومين بليلتهم ولم يتذكر سعيد اولاده من كريمه ولم يسأل عنهم وكأنه لم ينجب سوي رنا ورشا
#يتبع

