نوفيلا غيابة الجب - بقلم نورسين محمد

عازف الكلمات
By -
0

 


بقلم نورسين محمد 


البارت الأول

بسم الله الرحمن الرحيم


قال تعالى: "وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"


أنا "زينة"، وسأروي لكم قصتي اليوم لتعرفوا ماذا حدث معي، ولتكون عبرة للجميع.


من أهم الأشياء التي عُرفت بها وعُرفت عني طوال فترة حياتي وقبل الزواج، هي: النظافة والنظام، واستمرت حياتي على نفس الوتيرة بعد زواجي من "ياسين".


أعتبر تلك الميزة التي تميزت بها شيئًا ممتازًا؛ حيث لا يتمتع بها كثير من النساء، وأرى أنها ساعدتني في ترتيب ما يتبقى من يومي واستثماره بشكل أمثل.


وأتبع ذلك في كل الأعمال، وبالتحديد أعمال المنزل، خاصة أن يومي مشحون جدًا برعاية زوجي وبيتي وأولادي: "عبير" و"عابد"، وهناك أوقات كثيرة أشعر بأن كل الأيام متشابهة.


أنا أكبر أخواتي، لدي ثلاث أخوات: بنتان وولد. أختي الصغرى التي تليني متزوجة منذ عام ونصف العام ولديها ابنة، أما "سهيلة" التي تليها فتمت خطبتها وستتزوج قريبًا. أما "عدي" فهو الأخ الأصغر ويبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا.


في يوم من الأيام، شعرت فيه أن الدنيا قد دقت على رأسي ناقوس الخطر من دون أسباب محددة، ولكنه مجرد إحساس وكنت على غير طبيعتي، انتابني القلق طوال يومي، وشعرت بالاختناق والضيق من شيء مجهول ولكني انتظره.


استيقظت من النوم على اتصال من "سهيلة"، والتي كانت ترى أن موضوع زواجها لا يصح أن نتحدث فيه على الإنترنت بطريقة المحادثة الخاصة؛ وذلك لأننا أوقات كثيرة من السرعة في الرد نكتب الحروف بطريقة خاطئة، وذاك غير الملصقات التي من الممكن أن تكون في غير محلها فتُصعب الأمور وتُفهم العبارات بطريقة خاطئة وعكس ما نقصد، وبالمعنى الصحيح لها، وحينها نشعر أن من يتحدث إلينا يستهزئ بالكلام وأنه لا يشعر بآلامنا وأوجاعنا، ففضلت أن نتحدث صوتيًا، فقامت بالاتصال بي.


في البداية، سألتني إذا كان زوجي والأولاد بالبيت أم لا؛ حتى نستطيع أن نتحدث بحرية.


فأجبتها أنني بمفردي في البيت، وأن الأولاد قد توجهوا لمدرستهم، أما "ياسين" فتوجَّه لعمله.


فطلبت أن تتحدث إليَّ بشأن موضوع خطبتها.


فعرضت عليها أن تأتي إليَّ لنتحدث بحرية أكبر، ولكنها اعتذرت قائلةً إن لديها أعمال منزلية كثيرة اليوم ولابد أن تنتهي منها.


لم أرغب في أن أثقل عليها، وسألتها: "ما الموضوع الذي تحتاجين الرأي فيه؟"


فأجابتني: "زواجي من باسم!" وسألتني إذا مازلت على نفس رأيي أم أنني غيرته؟


في البداية، حاولت أن أغير مجرى الكلام حتى لا أتفوه بأي كلام للمرة الثانية يخص "باسم"، ولكني عاودت وذكرت لها أن خطيبها معروف عنه الشح والبخل، وأن كل تصرفاته توضح ذلك كوضوح الشمس.


فأوقات كثيرة كان يرسل لها المبالغ المالية لتشتري منها ما تحتاجه للزواج، ثم يعاود ويطلب منها أن تبدله بالأقل حيث إن سعره مرتفع!


ولذلك يتملكني دائمًا الخوف عليها من أنها ستعيش معه في جحيم، وذكرتها أن مثل هذا سيحاسبها على عدد مرات الطعام التي ستتناولها، غير أنه ضعيف الشخصية مع والديه، وأنها بسببه من الممكن أن تُحرم طعم السعادة؛ حيث أنها ستعيش مع أسرته في نفس المنزل، وقد اعتادوا على أن يتدخلوا في أدق تفاصيل حياته مع فرض رأيهم عليه، غير أنها ستكون معهم -وليس في مصر- بل في المملكة العربية السعودية.


فذكرتها أنه إذا -لا قدر الله- وحدث بينها وبين زوجها خلاف، ستضطر للتحمل وابتلاع الأخطاء دون استطاعتها الرد؛ لأنها ستكون بمفردها بعيدًا عن أهلها ليس لها سند غير الله، وحينها ستكون مضطرة لتحمل هذه المعيشة الصعبة حتى لا تهدم بيتها.


وتجاذبنا أطراف الحديث، وأردفت حديثي لها قائلةً: "من الممكن في بادئ الحياة أن تكون العروس مضطرة أن تعيش مع زوجها في بيت أهله لفترة بسيطة، وبعد ذلك من الممكن أن تتبدل الأحوال وتتغير الظروف للأحسن وينتقلوا إلى بيت مستقل. ورغم أني أقطن في بيت أسرة ياسين، ولكني كنت معه على وعد إذا تحسنت الظروف سننتقل ونستقل بحياتنا بعيدًا عن أسرته، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن!"


الظروف لم تساعدنا على الانتقال لمسكن خاص، وللاسف أنا مازلت أواجه مشاكل كثيرة مع أسرة "ياسين" من اللحظة الأولى إلى هذه اللحظة، غير أني أرى الغيرة في أعين أخواته الفتيات حين يشاهدونه يشتري لأبنائه كل ما يشتهون، وأسئلة والدته التي لا تنتهي، وتدخلاتهن في كثير من الأوقات، ولكني أعود وأتحدث لنفسي بأنه يبقي بيت عمي ولابد أن أتحملهم.


أما أنتِ يا "سهيلة"، ما الذي يضطرك لتحمل مثل هذه المعيشة الصعبة؟ فالأفضل أن تفكري جيدًا، حيث إنها مازالت خطبة، فلتتريسي قبل أن تسقط الفأس فوق الرأس كما يقول المثل.


استمعت "سهيلة" وكانت شبه مقتنعة بكلامي؛ لأن ظروف خطيبها مشابهة لظروف زوجي، الفرق الوحيد أن "ياسين" زوجي وحيد وله أخوات من البنات، أما "باسم" فوحيد ليس لديه أخ ولا أخت، وقد أنجبته والدته بعدما صبرت وتحملت سنين طويلة من العلاج، ولذلك فهي لا تريده أن يتزوج ويبتعد عنها، وتتمني أن يُكوِّن أسرة ويملأ بيتها بالبنين والبنات.


أنهيت معها الحديث، ولكنها توجهت لوالدتي مباشرة وحكت لها كل ما حدث بيننا، ولكن ليس لافتعال مشكلة؛ فهي لم تعلم أنها ستتسبب في مشكلة بيني وبين والدتي، ولكنها اعتادت أن تنقل لها رأيي لتساعدها على اتخاذ قرار نهائي، سواء بإنهاء الموضوع أو استكماله. وما أن انتهت معها الحوار، إلا واستقبلت مكالمة هاتفية من والدتي! وذلك على غير العادة؛ فقد جرت العادة على أن أقوم أنا بالاتصال يوميًا بها، وما دون ذلك تتحدث والدتي في ظروف معينة مثل المصائب أو الأفراح وما إلى ذلك من مناسبات. رحبت بها وألقيت عليها التحية، ولم تعتنِ فرصة لاستكمال كلامي، ولكنها أخذت توبخني وتنهرني!


وقالت لي بحنق: "احتفظي برأيك لنفسك، لقد تمت زيجتك وانتهى أمرك، أم أنكِ تريدين أن يُخرب بيتها قبل أن نقيمه؟! أم أنكِ تشعرين بالغيرة أنها تتزوج وستكون زيجتها أفضل من زيجتك لأنها ستسافر مع زوجها؟!"


حاولت أن آخذ فرصة للرد لأخبر والدتي أني لم أتحدث معها، فهي من صممت لتحدثني وأخذ رأيي في الموضوع، ولقد تحدثت معها في صالحها لأني أخاف عليها، ولكنها كعادتها لم تترك لي أي فرصة للكلام، وأردفت آمرةً لي قائلةً: "اتركيها وشأنها، اتركيها تتزوج وتسافر مع زوجها لتعيش في هناء وسعادة، واصمتي ولا تتفوهي بكلمة أخرى معها عن خطيبها، فلقد تمت خطبتها ونحن لن نسمح بفسخ الخطبة مهما حدث!" وأغلقت الهاتف في وجهي من دون سلام.


شعرت بظلم شديد وقع عليَّ من أقرب الناس؛ والدتي التي دومًا لا تستمع إلا لرأيها فقط دون الآخرين. حاولت جاهدة أن أقنع نفسي أن ما فعلته صحيح حتى أخفف من وطأة حزني، ولكن دموعي سبقتني، وشعرت أن بداخلي ألمًا شديدًا من والدتي ومن كلامها القاسي، غير وجعي على أختي التي أراها الآن -مع الأسف- أرى الذي يحدث معها بعد مرور سنوات من خلال ما يحدث من أهله، أراها وهي حزينة وتشعر بالندم لأنها هي من أطاعت والدتي وأتمت زيجتها.


حاولت أن أسيطر على حزني وتوجهت للمطهى؛ جهزت وجبة الغداء للأولاد فلم يتبق سوى ساعتين فقط على موعد عودتهم من المدرسة، وهم لم يعتادوا على العودة للبيت ويجدوا الغداء غير جاهز على المنضدة.


وأثناء انغماسي في العمل بالمطهى، إذا بـ"ياسين" يتصل بي هاتفيًا يستشيرني قائلاً: "ما رأيك أن نذهب اليوم عند مجدي؟ فقد قام بعزيمتنا لحضور عيد ميلاد ابنه."


قلت له: "نستكمل حديثنا حين عودتك للمنزل أفضل من الحديث في الهاتف، لأرى ما إذا استطعت أن أُنتهي من عملي في المنزل أم لا."


من الطبيعي أن اخترع أي حجة للتهرب منه؛ حتى لا أطيل معه الحديث عبر الهاتف ويكتشف أمري. أنهيت معه المكالمة ورأسي يكاد ينفجر من التفكير فيما حدث.


شعرت باختناق شديد، وكنت في حاجة لأي شخص أتحدث معه وأشكو له عما حدث معي.


في نفس اللحظة، دق جرس الباب؛ أسرعت ومسحت وجهي وتوجهت لأتفقد من الطارق، فوجدتها "لمياء" جارتي تحمل بين يديها طبقًا من الكيك وتطلب مني أن أتذوق ما قامت بصنعه.

#يتبع

البارت الثاني

"لمياء" هي إحدى جاراتي، ولكنها كثيرًا ما تتودد إليّ وتحاول التقرب مني ومصادقتي؛ ولكن هذا طبعي، فأنا لا أفضل الاختلاط بأحد من جيراني ولا أحب تبادل الزيارات المنزلية.


ولكنها سبقتني بالكلام وسألتني ماذا يبكيني وما الذي أغضبني لهذا الحد. ضحكت بالكذب وقلت لها: "أنا لا أبكي، وهي ليست دموع حزن، وإنما هي دموع من أثر تقطيع البصل؛ فأنا أقوم بتجهيز الغداء للأولاد، فلقد قاربوا على الوصول من المدرسة."


اقتنعت حين شاهدتني أضحك؛ فلقد اعتدت أن يكون بداخلي حمم بركان ولا أُشعر أحدًا ممن حولي، فأنا ناجحة في أن أخبي وجعي.


ضحكت واستأذنت وعادت تدخل شقتها؛ فهي تقطن أمامي مباشرة، وأغلقت الباب.


أما أنا فعاودت استكمال عملي حتى أُنتهي منه، وبعد ما يقرب من ساعة عادوا الأولاد من المدرسة، وعاد بعدهم "ياسين" بنصف ساعة. جهزت الطعام وتناولناه معًا، وبعد أن انتهيت من تنظيف الأطباق والأواني وترتيبها، دلفت للغرفة فوجدت "ياسين" يتبعني إليها، ويكرر سؤاله لي: هل سنذهب لبيت "مجدي" صديقه لحضور حفل عيد الميلاد أم لا؟ ولكن طلبت منه إذا خرجنا معًا أن نتوجه لأي مكان هادئ غير الحفل، وأخبرته أني في احتياج لأجلس في مكان بعيد عن الناس لشعوري بالاختناق.


فأخبرني أنه لا مانع عنده في ذلك، ولكنه سألني: "ماذا يعكر صفوي اليوم ويشعرني بالحزن والضيق هكذا؟! وماذا أبكاني حتى انتفخت عيناي من البكاء واحمر لونها وما كل هذه الدموع؟!"


نظرت له وعيناي يملؤهما الدموع قائلةً: "سأذهب لأحضر أكواب الشاي، وعندما أعود سأحكي لك كل ما قد حدث اليوم."


فأردف قائلاً: "سأنتظرك."


تركته وذهبت للمطهى، وجهزت الشاي وعاودت له. جلست بجانبه وقصصت له كل ما حدث بالتفصيل.


إنصت إليَّ حتى انتهيت من حديثي ولم ينبث بفاهه بكلمة واحدة؛ فهو من الأساس، ومنذ أن تم زواجنا، لم يتدخل في أي شيء يحدث بيني وبين أهلي، حتى العلاقة بينه وبينهم في أضيق الحدود، أما عن المقابلات فهي فقط في الأعياد الرسمية والمناسبات. حاولت جاهدة طوال السنوات الماضية ومنذ أن تزوجنا على أن يذوب الجليد بينهم، ولكن كل المحاولات باءت بالفشل، وللأسف في النهاية يبقى الحال كما هو عليه. ولكنه وبعد أن استمع إليَّ، كان رأيُه مثل رأي والدتي: أن أحتفظ بالرأي لنفسي ولا أتدخل في الموضوع، وأن أتركها تأخذ قرارها بمفردها، واني قد أبلغتها رأيئ من قبل ولها الآن الحرية الكاملة في أن تستكمل الطريق وتتم الزواج أو تنهيه ويعوضها الله عنه بالخير.


"ياسين" شعر بوجعي وأن بداخلي حزنًا شديدًا يسيطر عليَّ، فقال لي: "اذهبي وبدلي ملابسك وأبلغي الأولاد أن يتجهدوا لكي نخرج لنغير جو المنزل." وسألني: "إلى أين تريدين الذهاب؟"


فأبلغته: "أريد أن أجلس في أي مكان هادئ بعيدًا عن الازدحام."


من الغريب في الأمر هذه المرة موافقة "ياسين"؛ فكل مرة يقول لي: "سنذهب إلى مكان مناسب حتى يستطيع الأولاد اللعب وقضاء وقت ممتع."


فسألته: "لماذا أنت مطيع اليوم على غير عادتك؟!"


فأجابني: "وهل كنت أرفض من قبل؟!"


فأجبته: "لا، لم ترفض من قبل، ولكنك دائما تفضل الذهاب للملاهي مثلاً حتى يلعب الأولاد ويقضوا وقتهم."


فقال لي: "لا، فأنا أريد أن نغير جو المنزل مع الأولاد وأعود سريعًا حتى أستطيع اللحاق بموعدي مع أصدقائي؛ فقد اتفقوا أن يتقابلوا الليلة في السينما ونشاهد معًا فيلم الأكشن الحديث."


ارتفع صوتي وضحكت قائلةً: "إذن أنت تعمل لمصلحتك ليس لمصلحتنا! وبالطبع ستقضي السهرة معهم وتعود متأخرًا. على العموم، لا عليك، سأذهب لأتفقد الأولاد وأستعجلهم، وأعود وأستكمل ملابسي حتى تلحق بأصدقائك."


خرجت من الغرفة وتوجهت لغرفة الأولاد، وقمت بمساعدتهم وانتهينا سريعًا. وقبل أن أنزل، أغلقت الإنترنت من الهاتف لأني أعلم جيدًا أنني لن أسلم من الأسئلة ما بقي من اليوم. نزلنا بصحبة "ياسين" وترجلنا معًا حتى وصلنا للنيل وجلسنا بالقرب منه في مكان هادئ. وسمعت "ياسين" يبلغ الأولاد قبل نزولنا ويشترط عليهم: "أن والدتكم تشعر بالمرض غير أنها حزينة اليوم، سنخرج معًا لنقضي بعض الوقت ولكن بشرط أن تطيعوا الأوامر وتبقوا في هدوء."


جلست بالقرب من النيل وشممت الهواء النقي فتفتحت شعبي الهوائية، وبدأ رويدًا رويدًا أن يتبدل الاختناق إلى راحة وهدوء. تناولنا العصير الطبيعي وعاد بنا "ياسين" للمنزل.


وفور عودتنا، لم يكف هاتفي عن استقبال الرسائل؛ الكل يسأل ما الذي حدث بيني وبين والدتي! حتى "سهيلة" سألت أكثر من مرة، فتأكدت أن الحوار الذي دار بيني وبين والدتي كان بعيدًا عنها ولم تعلم عنه شيئًا.


ولكني كنت أراقب الحديث من خارج التطبيق وفضلت ألا أتحدث في شيء حتى يذهب الأولاد في سبات عميق ويستقروا في نومهم حتى لا يسمعوا شيئًا من الحوار، وحتى يكون "ياسين" أيضًا ذهب لمقابلة أصدقائه.


بعد ساعة تقريبًا من عودتنا، استقر الأولاد في فراشهم وانتهى "ياسين" من تبديل ملابسه، أما أنا فجهزت ساندويتش من الناجتس مع الصوص الحار وكوب النسكافيه حتى أبدأ سهرتي مع أخواتي المنتظرين عودتي على أحر من الجمر. وما أن ألقى عليَّ "ياسين" تحيته ليتوجه للباب، إلا وتبدلت حياتي كلها في لحظة واحدة عندما سمعت أحدهم يقرع بابي بشدة وفزع مستنجدًا بي، ووصل إلى مسامعنا صوت أنثوي قائلةً: "انجدوني منه، سيقتلني!"


أسرع "ياسين" يتفقد من الطارق، ولحقت به لنرى أمامنا "لمياء" جارتنا تقف وترتجف وتخفي جسدها العاري؛ فقد وقفت أمامنا عارية لا يغطي جسدها شيء، وقفت كما ولدتها أمها وأسرعت تختبئ داخل حضني وهي تصرخ.


شعرت وقتها بأن تفكيري قد شل عن التفكير، وتسمرت قدماي وارتجف قلبي رعبًا حين شاهدت "ياسين" يقف مشدوهًا معلقًا نظره عليها! وما شعرت بنفسي غير أني أصرخ عليه بأن يخرج من البيت ويغلق خلفه الباب، فنفذ ما طلبته وأصحبها للداخل وأجلستها، وأسرعت لغرفتي فأحضرت لها ملابس لتستر جسدها العاري.


لكن الشيء الغريب أنها، ووسط صراخها، كانت تصر على "ياسين" بأن يبقى داخل البيت ولا يغادره، ولكنه لم ينصت إليها ونفذ ما طلبته منه. وبعد أن ارتدت ملابسها، فتحت الباب وطلبت من "ياسين" الدخول لنعرف منها ما الذي حدث معها.


دلفت أنا و"ياسين" وسط صراخها وبكائها الذي لا ينقطع وهي تكرر: "ياسين، لا تخرج وأغلق الباب جيدًا، سيقتلنا، سيقتلنا!"


لم نفهم من كلامها شيئًا وكدنا نُجن، فسألناها: "من هو الذي سيقتلك؟ وماذا حدث ليقتلك؟!"


انقبض قلبي من طريقة كلامها وصراخها على "ياسين"، وفجأة تناهى إلى مسامعنا صوت جهوري لرجل يرتفع صوته من خارج الباب! فأسرعت لأغلق الباب من الداخل بالمفتاح. وما شعرت بياسين إلا وقد توجه للغرفة وأخرج سلاحه المرخص.


وفجأة رأيت أولادي يلتصقون بجدار باب غرفتهم ويرتجفون من الخوف؛ فقد أيقظهم الصراخ.


أسرعت إليهم واحتضنتهم ليهدئوا، ودلفت بهم للغرفة، وطلبت من ياسين ألا يفتح لهذا المجنون الذي يطرق باب بيتنا. ولم أستشعر الاطمئنان إلا حين سمعت صوت والد ووالدة "ياسين" يطرقون الباب ويطلبون من "ياسين" أن يفتح. فأسرع لهم، وما شعرت بنفسي غير أني أحتضن والدته وأصرخ من الخوف والذعر، وأتساءل داخلي: لماذا يُصر "أسامة" زوج "لمياء" على قتلها؟ وما علاقة "ياسين" بهذا الأمر؟ وسؤالي ليس له إجابة سوى أنه قد اكتشف خيانتهم! ولكن هل "ياسين" خائن؟!


أسرعت والدة "ياسين" متوجهة إلى "لمياء"، ورفعت عيناي لأجد "ياسين" وقد تسمرت قدماه وتعلقت عيناه بـ"لمياء"! وعادت التساؤلات تهاجمني كالوحش الثائر لا أستطيع أن أوقفه، ويردد تساؤلاته: "هل أنا قصرت في حق زوجي وأولادي؟ هل تأخرت عن أي طلب له أو لأولادي؟ أنا لا أظن ذلك، فلماذا الخيانة؟ ولكن لم أعتد منه الخيانة!" أنا مجهدة التفكير مشوشة، لا أستطيع أن أفهم ماذا يحدث حولي.


وفجأة، لم أتمالك أعصابي وصرخت متسائلة، أوجه سؤالي لـ"ياسين": "أخبرني ماذا فعلت معها؟ ولماذا يريد أسامة أن يقتلكما؟ أجبني!"


التزم الصمت ولم ينبث بفاهه بحرف واحد، كدت أجن!


وعاودت الصراخ عليه، ولكن من تحدث إليَّ هو والده قائلاً: "يا ابنتي، اهدئي لنعرف ماذا حدث، وعليكِ الآن أن تعودي لأبنائك حتى يطمئنوا، وعندما تهدئي سنتحدث." أطعت أوامره ودلفت لغرفة الأولاد وجلست بجانبهم. وفي تلك اللحظة، سمعت والدة "ياسين" تتحدث عبر الهاتف قائلةً: "عليكِ أن تأتي للبيت بصحبة والد لمياء." ففهمت أنها تتحدث لوالدتها؛ فهما من الجيران القدامى في نفس المنطقة.


أما عن عمي "محمود" والد "ياسين"، فسمعته بعد أن انتهت زوجته "أمينة" من الحديث معها يطلب منها أن تصطحب "لمياء" لشقتهم حتى تهدأ، وحتى يتسنى له الحديث في هدوء مع "ياسين". فأطاعته وأسرعت بها خارج شقتي. وبعد أن هدأ الأولاد واطمأننت عليهم، اقتربت من باب الغرفة لأخرج فسمعت عمي "محمود" يسأل "ياسين": "ما الذي حدث؟"


فبدأ "ياسين" يحكي له، فتسمرت قدماي بجوار الباب حتى أعرف الحكاية من بدايتها لنهايتها.


وسمعت "ياسين" يقول: "أقسم بالله يا والدي، لم أعرف شيئًا، فقد تفاجأت بطرقات مفزعة على الباب وصراخ من امرأة، وأسرعت لأتفقد من الطارق وقد لحقت بي زينة وفتحنا الباب، وإذا بها تقف كما ولدتها أمها تصرخ وتستنجد بنا وتقول سيقتلني! وأنت تعلم أن هذا أسامة زوجها شخص مجنون متهور."


محمود: "أعلم أنه مجنون ومتهور كما تقول، ولكن هناك شيء ما مخفي هو من أثاره بهذه الطريقة، لابد أن تخبرني بالحقيقة، إنها كانت تصرخ بأنه سيقتلك."


ياسين: "يا والدي، لقد أقسمت لك أني لا أعلم ما الذي حدث بينهما حتى أخبرك به."


محمود عاد يسأل: "ولماذا التزمت الصمت ولم تتفوه بكلمة أمامها وأنت تسمعها تقول سيقتلك؟ لماذا تركتها تتهمك بالكذب؟"


ياسين: "يا والدي، لقد تفاجأنا بها أمامنا ومنظرها كان صعبًا للغاية، ومن شدة الصدمة والصراخ لم أتمالك أعصابي وفقدت القدرة على الكلام والتفكير."


محمود: "سترنا الله وإياكم وستر بناتنا وزوجاتنا. سأصعد لوالدتك لأعلم ما الذي حدث، وأنت طمئن زوجتك واصحبها معك لنعرف الحقيقة."


#يتبع






Tags:

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)