قصة نبض تحت الرماد - بقلم نورسين محمد

3azef2lklmat
By -
0

بقلم نورسين محمد 


لم تكن "مريم" تبحث عن الغموض، بل كانت طبيبة نفسية كرست حياتها لدراسة الحالات النادرة علّها تجد تفسيراً لتعقيدات النفس البشرية. وفي أحد الأيام، استقبلت مستشفاها حالة فريدة من نوعها لشابة في العشرينيات تُدعى "ليلى".

لم تكن لليلى تشكو من ألم جسدي ظاهر، لكنها كانت ترفض تناول الطعام، وتجلس أمام المرآة ساعات طوال دون أن ترمش، وتكرر جملة واحدة ببرود مرعب: *"لماذا تحاولون إطعام جثة؟ أنا ميتة منذ حادث السير، لست سوى ظل بلا روح"*!

أدركت مريم فوراً أن الحالة ليست مجرد اكتئاب عابر، بل هي إصابة حقيقية بـ **"متلازمة كوتارد" (Cotard's Syndrome)**؛ وهو اضطراب عصبي ونفسي حقيقي وموثق طبياً، يشعر فيه المريض بأن أجزاء من جسده قد تلفت، أو أنه فقد روحه وأصبح ميتاً وهو يمشي على قدميه.

حاولت مريم التعامل بحذر مع الحالة، مستخدمة العلاج المعرفي وجلسات الحوار الطويلة. كانت تدرك تماماً أن السخرية من مشاعر المريض في هذه الحالة تزيد طينتها بلّة، فالعقل الباطن للمريض يعيش واقعاً مأساوياً خاصاً به ناتجاً عن صدمة عصبية قاسية.

في إحدى الجلسات، سألت مريم المريضة بهدوء: *"يا ليلى، لو كنتِ ميتة حقاً كما تدّعين، فلماذا تشعرين ببرودة هذا الشتاء، ولماذا ينبض قلبكِ حين تتحدثين عن والدتكِ؟"*

توقف الكلام في حلق ليلى، وظهرت على وجهها ومضة صغيرة من الحيرة. تابعت مريم بكلمات دافئة وصادقة: *"الموت الحقيقي ليس توقف الجسد، الموت الحقيقي هو أن نستسلم للألم ونترك الحياة قبل أوانها. أنتِ حية يا ليلى، وتوجد حكايات كثيرة تنتظر منكِ أن تعيشيها، وأنا هنا لأمسك بيدكِ حتى تعودي لنوركِ."*


مرت الشهور بطيئة وثقيلة، وتخللتها جلسات مضنية، لكن إصرار مريم وتعاطفها الحقيقي بدأ يؤتي ثماره. وفي صباح يوم مشمس، دخلت مريم الغرفة، لتتفاجأ بليلى تقف أمام النافذة تفتح الستائر لأول مرة منذ أشهر، وتستقبل ضوء الشمس على وجهها وهي تبتسم وتقول بصوت خفيف:


>*"أظنني شعرت بنبض يخبرني أنني ولدت من جديد اليوم."*


سجلت مريم هذه التجربة في مقال علمي وأدبي، ليكون رسالة لكل إنسان يعاني من صدمات الحياة: **قد نمر بظروف تجعلنا نشعر وكأننا أموات من الداخل، لكن بصيص أمل واحد وكلمة صدق كفيلتان بإحياء الروح من جديد.**

#تمت

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)